أنت هنا: الرئيسية » Slider » المواطنة.. جلسة تعارفية

المواطنة.. جلسة تعارفية

citizenship

لحوالي نصف قرن، ارتبط مفهوم “المواطن” في ذهن السوري بسلسلة من الالتزامات التي ينبغي على السوري القيام بها تجاه الحكم الشمولي الفردي، كي يُثبت أنّه (مواطن صالح)، فيشمل ذلك أن لا يذكر بسوء (القيادة السياسية العليا)، ويفضّل أن لا يذكرها بينه وبين نفسه ولا حتى في أحلامه، وأن لا يعترض ولا يتذمّر، ولا يتدخّل في كل ما له علاقة بالشأن العام!

وبالمقابل فإنّ هذا (المواطن) يمكن أن يواجه أشكالاً من الإذلال الذي يوازي في بعض أشكاله الكوميديا السوداء، بدءاً من ركوب “الميكرو” ومروراً بإنجاز أي معاملة حكومية، أو بأداء الخدمة العسكرية، وانتهاء بمحاولة الحصول على جواز سفر يسمح له بترك (الوطن)!

وبمرور هذه السنوات تحوّل هذا الوطن إلى مساحة شخصية للعائلة، فأصبحت (الأغاني الوطنية) تعني الأغاني التي تُمجد الأسد، و(الشعور الوطني) هو شعور التصاغر لنظام الأسد.. الخ، وتحوّل القائد إلى شبه إلهٍ !

وقد عمِلت وسائلُ الإعلام من جهةٍ، ومناهج التربية من جهة أخرى، على إنتاج هذا التحوّل وتعزيزه، فكان الطلاب يتلقّون حبّ الوطن باعتباره حبّ القائد، ولا يلفظون اسم سورية إلا مضافاً إلى شخص الرئيس، حتى يصبح مفهوم تملّكه للبلد بأكمله مفهوماً حقيقياً مترسخاً في الأذهان جميعاً!.

وبطبيعة الحال، فإنّ مفهوم المواطنة الذي أنتجه نظام البعث أنتج مباشرة مفاهيم مشتقّة منه للمواطن، فهناك المواطن (السوبر)، والمواطن عالي الجودة، والمواطن العادي، والمواطن الذي ليس بمواطن، وهو المواطن الي حقّه فرنك (كما يقول رئيس المخفر في مسرحية “ليلة القبض على بكري”)!

المواطن السوبر يحصل على كل الامتيازات، بما فيها تلك التي لا تتوفّر لرؤساء الحكومات في الدول الأخرى، فهم يمكن أن يبني حيث شاء، ولا تنطبق عليه قوانين الأمن الاقتصادي ولا حتى قوانين المرور، بل ويمكن أن يدخل شريكاً تجارياً في أي مشروع، بحصة لا تقل عن النصف، دون أن يساهم بليرة واحدة، بمقابل أن يصبح شريكه مواطناً عالي الجودة، يحصل على الحماية من المواطنين السوبر الآخرين، وبالتأكيد يتجنب المعاملة التي يحصل عليها ما دونه من شرائح المواطنين أو لا مواطنين!

بلا شكّ فإنّ حالة كهذه وعلى مدار خمسة عقود تقريباً تكفي لتشويه مفهوم الوطن والمواطنة في أي مجتمع، وهو أمر سيحتاج بطبيعة الحال إلى فترة طويلة حتى يتم إصلاحه أو بناؤه، وخاصة لأولئك الذين لم يشاهدوا تجارب أخرى تُمارس فيها تعاريف مختلفة للوطن والمواطن!

وإلى جانب المفهوم المشوّه الذي أنتجته آلة البعث، نشأت مفاهيم موازية للمواطنة، تُحاول بدورها أن تهرب من المفهوم البعثي، فبين المفهوم الديني والقومي الذين يوسّعان المفهوم ليشمل مناطق غير محددة تُشكل سورية جزءاً بسيطاً منها، إلى مفاهيم تُضيّق الخناق على مفهوم المواطنة، فتحصره في المدينة أو القرية أو العشيرة أو الطائفية!.

* * *

والمواطنة بمفهومها البسيط المتعارف عليه هي انتماءٌ إلى وطن، لك فيه حقوق وعليك فيه واجبات، وبتلازم الحقوق والوجبات تتبلور المواطنة أكثر فأكثر.

ولا يتضمّن هذا المفهوم انتماءً إلى شخص بعينه، ولا يتضمن البحث في أصل المواطن، وما إذا كان منتمياً إلى هذا الوطن منذ الجد العاشر أم بعده أو قبله، ولا يتناول انتماءات الإنسان الأخرى، من لون وقومية ودين وعرق وطائفة!

وإن أردنا أن نتحدث عن هذا المفهوم بشكله المبسط، فإنّ هذا يعني أنني كمواطن سوري ينبغي أن أذهب إلى أي دائرة حكومية لأصدر جواز سفر أو لأحصل على هاتف أرضي، فأحصل على ذات المعاملة التي يحصل عليها مواطن سوري آخر، جاء لذات المعاملة، طالما أنني أدفع ما عليّ من التزامات للدولة، دون أن يُحلّل الموظف اسمي الأول، ولا اسم العائلة، ولا المدينة التي أنتمي إليها، ودون أن تُربط هذه المعاملة بسلوكي السياسي المعارض أو المؤيد، ولا بملفي الأمني، ولا بملف أقاربي بطبيعة الحال.. الخ!

ولو كنت أقود سيارتي في مدينة سورية، فأضاءت الإشارة باللون الأحمر، وقفتُ أمام الإشارة، مثلما يقف كل الآخرين، بغض النظر مرة ثانية عن انتماءاتهم، وإن لم ألتزم كان للشرطي أن يُخالفني، دون أن يخاف مني إن كنت مواطناً سوبراً أو عادياً، ودون أن أخاف منه، لأنني أعرف أن صلاحيته تنتهي عند مخالفتي، ولا يحق له أن يهينني بسببها، ولا أستطيع أن أرشيه إن كنتُ ميسور الحال، ولا أخشى أن يُخالفني ويتجاهل غيري، أو يخالف غيري، فيجد ذلك الآخر طريقاً يشطب فيها مخالفته!

وكما هو معلوم فإنّ الوصول إلى هذه الحالة ليس أمراً حالماً، ولا هو تنظير فضائي، فهي حالة موجودة، وإن كان بدرجات متفاوتة، في كثير من الدول، ومواطنو هذه الدول لا يمتلكون مواهب استثنائية تجعلهم قادرين على تطبيق هذا المفهوم بصورة نعجز عنها نحن، وكل ما في الأمر أنّهم ألِفُوا هذه المفاهيم في قوانينهم، وقبلها في مدارسهم وجامعاتهم، حتى أصبحت نمط حياة، يستغربون لو كان ثمّة نمط غيره، كما يستغرب السوريون من نمطهم هم!

وفي هذه الزاوية سوف نسعى لتلمّس الطريق نحو المواطنة، لنتبين معالمها في أول الأمر، ونناقش كيفية الوصول إلى مجتمع سوري مواطن، بعيداً عن أي تنظير غير واقعي، ودون إغفالٍ لأي حقائق تركتها خمسون عاماً من الحكم الشمولي، وبالتأكيد دون تجاهل للوقائع التي أفرزتها سنواتٌ أربعة من الثورة وأشياء أخرى!

عبيدة فارس-عن موقع السوري الجديد

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى