أنت هنا: الرئيسية » رؤية المعهد

رؤية المعهد

يتطلع المعهد العربي للتنمية و المواطنة، ليصبح مركزاً رائداً في عملية التغيير في العالم العربي، عن طريق نشر قيم الديموقراطية و حقوق الإنسان التي تُعزّز بدورها مفهوم المواطنة، ذلك أنَّ المواطنة هي أساس التنمية الحقة بشقيها السياسي و الاقتصادي.

تشكل المواطنة محور عمل المعهد، إذ إن انتماء الفرد إلى الدولة بوصفه مواطناً لا يمكن أن يتحقق دون نيله حقوقه المشروعة التي نصّت عليها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، و دون هذه الحقوق تغدو المواطنة أمراً غير ذي موضوع، و في غياب هذه الأخيرة تبقى الهيمنة للانتماءات الدينية و الطائفية و العرقية و الجنسانية و سواها من الانتماءات قبل الحداثوية؛ لتستمر في كونها مصدراً للأزمات.
و على الرغم من أن المواطنة مرتبطة بتوفير الحقوق، وهو ما يُفترض أن تقوم به الدولة بشكل أساسي، إلاّ أن التربية على المواطنة تحتلّ جانباً رئيسياً في هذا المضمار، إذ ينبغي للمواطن أن يعرف حقوقه، ويتعلم المطالبة بها، وأن يتمتّع بالحقوق كميزة أصيلة مرتبطة بوجوده في هذه الأرض كإنسان، وليس كمنحة موهوبة من الحاكم. و أمَّا المجتمع في معظم البلدان العربية، فلا يزال مجتمع رعايا محكومين، لا مجتمع مواطنين، يحكم الشعبُ فيه نفسَه بنفسِه؛ إذ يضع الحاكم العربي ذاته خارج نطاق القانون، و يمارس و الحال هذه على رعاياه علاقة أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها علاقة أبوية بطريركية.
إننا نؤمن، في المعهد العربي للتنمية و المواطنة، بأن ما هو حق و عدل يسمو على ما هو صالح أو خيِّر، و بأن المقولات النفعية القائمة على سوى ذلك قد أفضت إلى انتهاكات غير مقبولة للحقوق غير القابلة للتنازل. و قد كشف التاريخ القريب أن فكرة المجتمع كثيراً ما كانت قابلة للتلاعب من قبل الأنظمة الفاشستية، أو التوتاليتارية، أو الثيوقراطية. و من هنا، فإن تعزيز المواطنة كوسيلة لتحقيق العدالة و كغاية في ذاتها إنما هو أمرٌ أساسي في النضال من أجل التنمية و التحرر.

و يمكننا أن نلاحظ من قراءة التاريخ السياسي الحديث أنه كثيراً ما تمّ تجاوز حقوق الإنسان الأساسية  والمشاركة السياسية المتساوية و المثل الأعلى للمواطنة، بدعوى الحفاظ على أمن الدولة و الصالح العام، بل يتم استخدام الديمقراطية في شكلها المبسط كحكم الأغلبية لتبرير تجريد الأقليات من الحقوق و الحريات الأساسية.
إن الممارسة الديمقراطية بلا مواطنة تكون مشوهة و انتقائية، و بلا ديمقراطية سليمة تتعذر مكافحة الفساد و القضاء عليه، فضلاً عن التأثير  الذي تحدثه في التنمية، إذ يمنع التدفقُ المحدود للمعلومات القدرةَ على الابتكار والتجديد، و يحدُّ من قدرة المواطنين على اتخاذ القرارات الصائبة، حتى لو منحوا فرصة لذلك، وتزيد المستويات المحدودة من المشاركة في تحديد الأولويات واتخاذ القرار من خطر الانحراف عن المصلحة و التخصيص الخاطئ للموارد. كما يؤدّي تركيز السلطة حتماً إلى الفساد، و ترتبط قضايا المركزية الشديدة للدولة و مؤسساتها، و كذلك تخلف الإدارة و الفساد المستشري في الوطن العربي؛ بالاستخدام المستمر لجهاز الدولة من قبل النخبة الحاكمة كوسيلةٍ أساسية للتعبئة السياسية و إعادة إنتاج السلطة.

إننا نؤمن بأن لا ديمقراطية، أي مساواة في تحمل المسؤولية العمومية بين جميع أبناء الشعب، ومشاركة فعالة في تقرير المصير العام من قبل الجميع؛ من دون قبول الأفراد بالاحتكام إلى مبدأ المواطنة في تقرير كل ما يتعلق بالشؤون العمومية. ذلك أنَّ نظاماً ديمقراطياً آمناً و متّصفاً بالديمومة، ينبغي أن يحظى بتأييدٍ حر وعازم من أغلبية معتبرةٍ على الأقل من مواطنيه الممارسين للنشاط السياسي. و نظراً لعدم وجود مبدأ فلسفي أو أخلاقي يمكن له أن يحظى بتأييد المواطنين جميعاً، و أقل من ذلك مبدأ أو تشريع أو خطاب قائمٍ على أساس الدين، أو الطائفة، أو العرق، أو الجنس، أو اللغة، يمكن له أن يكون عادلاً لجميع أعضاء أي مجتمع، فإن مفهوم العدالة المطبقة في مجتمع يتعيَّن أن يكون مفهوماً محدوداً بما هو سياسي من الشؤون، أي أن يكون قائماً على المواطنة بوصفها عضوية في مجتمع سياسي يرتبط بها بالضرورة حق المشاركة السياسية. و إلا انتهت بنا الأحكام القائمة على ما تدعيه جماعةٌ ما لنفسها من الفوقية الأخلاقية و سلامة الأحكام إلى وضعٍ شبيهٍ بحرب ليليـبوت و بلِفوسكو حول الطريقة الأفضل لأكل البيضة؛ أمِن جانبها المستدير أو الضيِّق. و من هنا تأكيدنا على ضرورة احترام فكرة الهوية التي يختارها المرء لنفسه، لا تلك المفروضة بالوضع الذي فيه ولد، لأننا نعد مثل هذا الفرض أمراً فوضوياً و اعتباطياً من الوجهة الأخلاقية.
إن إرادة الإصلاح والديمقراطية النابعة من تطور مُثُل الحرية والاستقلالية الفردية تعني أنها قبل أن تكون ثمرةً لتطور بعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية الأساسية، قيمةٌ سياسية. وهي تفترض من أجل تحقيقها كفاحاً سياسياً لا يتم إلا بوجود فاعل اجتماعي يربط مصيره بمصيرها. فهي ليست مُعطىً موضوعياً فحسب، ولكنها معركة فكرية سياسية بالدرجة الأولى. وبهذا المعنى فهي خاضعة في تقدمها وتراجعها لما تتمتع به القوى التي تتبناها كمبدأ ونظام سياسي من قدرات ذاتية، سواءٌ ما تعلق منها بدرجة الوعي النظري أو بمستوى الممارسة السياسية. و استناداً إلى ما تقدَّم، فإن المعهد العربي للتنمية والمواطنة يتطلع إلى القيام بدور فاعل في مجال التربية على المواطنة في كل العالم العربي، وفي دعم المنظمات والأفراد الذين يقاسمونه ذات الرؤية والتطلعات.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى